تسجيل الدخول
برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

أول سردية ذاتية عربية عن المكان


الأمير كمال فرج

المكان عنصر رئيسي في أي مشهد، في أي حدث، في أي تاريخ ، بدونه تتلاشى الصورة، ويحضر العدم،  ورغم احتفاء الكثير من الأعمال الأدبية خاصة الروائية بالمكان، باعتباره المسرح الذي ستولد فيه الشخصيات، وتتفاعل عليه الأحداث، ورغم الدراسات المتعددة التي كتبت عنه، ظل المكان بثرائه اللغوى والدلالي العالم المسحور، والمجرة الغامضة البعيدة التي تغري المبدعين بالاكتشاف.

"دفء المكان" للكاتب الكبير عبدالفتاح صبري ـ الصادر عن دائرة الثقافة في الشارقة 2017 ـ أول عمل أدبي يسبر ماهية المكان، وأنواعه وأطواره، وملامحه، وتأثيراته، وحكاياته ، وشخوصه وأحداثه، والمشاعر التي تتفاعل فيه .. كل ذلك بأسلوب أدبي يجمع بين السرد والمقال والتجربة الشخصية والوجدانية والسيرة الذاتية والغيرية.


والمكان لفظة واقعية وفلسفية تختصر الكثير من الأشياء، كالانسان والتاريخ والجغرافيا، وتختزن العديد من العلوم مثل علم الاجتماع وعلم النفس والفلسفة والأبعاد الاقتصادية ، .. المكان باختصار هو الوجود .. ولولا الوجود لما كان الانسان.

ويرصد الكاتب بنفسه أهمية المكان، ويقول "للمكان سطوة الدفء والحنين، وتعالق النور، المكان دائما آسر .. أخاذ .. وهاج لأنه جزء من حيوات المعيش وملتبس بالمشاعر والحميمية والعاطفة التي تتعالق معه  بوصفه حاويا  ومكتنزا بأشكال ورؤى  ومفردات  ورائحة بشر كانوا فيه يمكن هندستها بما يتسق وروح الانسان أو بجماليات ما يتوافق مع رغباته وأهوائه".

 

ثمرة الصحافة

 

الكتاب كما علمت بدأت فكرته كمجموعة من المقالات كان الكاتب ينشرها شهريا في زاوية بعنوان "دفء المكان" بمجلة "الرافد" ، وظل الكاتب يكتب مقالاته عن هذا الموضوع لفترة طويلة، وفي لحظة ما قرر جمع هذه المقالات في كتاب تلبية لمقترح قدمه أحد المتابعين .

الكتاب إذن بموضوعه الفريد ومحتواه القيم ثمرة للصحافة ، ورغم أننا جميعا كصحفيين نتوجس من الصحافة  ، ونعتبرها بديمومتها وضغوطها قاتلة للابداع، إلا أن هذا الكتاب يقول العكس، فقد حفزت الكتابة الصحفية الدورية لولادة هذا العمل المهم.

الموضوع واسع وممتد، ولعل نظرة سريعة على فهرست الكتاب، ستكتشف أن العمل أحاط بكل شاردة وواردة عن المكان، ليس فقط في العناوين، ولكن في نصوص أدبية راقية نابضة بالفن والجمال والابداع.

تحت عنوان "أنواع المكان" قدم 10 نصوص هي : أماكن من وجع، أماكن من خيال، أماكن من وهم، مكان مرهون بالظل، أماكن من ظل، أماكن للهجرة أماكن للجوء، المكان ومكانة الانسان، أماكن من نقش الطفولة، الخلوة شطح المكان ، هوية المكان، وتحت عنوان "أحوال المكان" قدم 6 نصوص هي :  مزاجية المكان، أناقة المكان، أماكن ماكرة، كيمياء المكان، براءة الأماكن، سفر الأمكنة، وتحت عنوان "مشاعر وأماكن" قد 8 نصوص هي : المكان بوصفه سلوكا، داخل المكان لذة التواطؤ، العزلة .. المكان .. المشاعر، المكان والمسرات والأوجاع، نحن وأشياء المكان، أشياء السيارة، أشياء خاصة، المرآة مكان لالتقاء الروح، وتحت عنوان "الأبواب والنوافذ حيوات المكان" قدم 9 نصوص هي : الأبواب وسلوك الإنسان، مقبض الباب، مفتاح الأماكن، شيفرة الباب، إنسانية النافذة، العين والنافذة، النافذة، النافذة كوة الروح، شرفتي والشارع .. خواء التعالق، وتحت عنوان "أماكن بعينها" قدم 7 نصوص هي : أماكن وشاهد، الكوخ، الشجر بوصفه مكانا، الماء مكان الأماكن، المكان الأخير، الجنة المكان الموعود، بين المدينة والانسان، المدن القديمة هندسة الروح.

كما نرى أبحر الكاتب في عالم المكان ، وارتاد كل الشواطيء، فقدم ما يشبه الموسوعة الأدبية السردية الذاتية الوجدانية عن المكان ، وكما كان يفعل الكتاب القدامى عندما يقدم أحدهم كتابا عن موضوع معين، كان يحرص على استيفاء الموضوع، فيقدم فيه كل التفاصيل المتعلقة بالموضوع ، ويتعمق ليرصد حتى تفاصيل التفاصيل، فيصبح الكتاب مرجعا في عنوانه ومجاله.

لقد اختار الكاتب موضوعه جيدا ، وعرف اللفظة السر، باب الكنز الذي تختبيء خلفه كل الكنوز ..، وهكذا قدم الكاتب تجربة شاملة جامعة عن أدب المكان، أعتقد أنه أول من قدمها سواء من ناحية الشكل أو الأسلوب أو المحتوى.

الشكل والأسلوب والمحتوى

 

من ناحية الشكل : أي كاتب ـ وأنا منهم ـ لو فكر في البداية في الأسلوب الذي سيختاره لإعداد هذا العمل الشامل الجامع عن المكان لاختار الدراسة البحثية، وهو الطريق السهل الذي عبده كثيرون، ولكن الكاتب اختار الطريق الصعب ، وهو طريق جديد لم يطرقه غيره، وهو الكتابة الوجدانية التي تحمل شيئا من روحه وتجاربه وذكرياته وفلسفته في الكون والحياة، وكلما أبحرت في نصوص الكتاب ستكتشف ما يشبه ثورة الأماكن على التجاهل والنسيان .

تصنيف الناشر للكتاب هو "مقالات"، وبالفعل شكل الكتاب العام يتفق مع هذا التصنيف، وبدء الكتاب في شكل مقالات شهرية يؤكد ذلك، خاصة مع وجود المقال السردي، ولكن وحدة الموضوع وهو "المكان" في عدد كبير من المقالات "كل المقالات" عند جمعها في "كتاب" أنتجت لنا جنسا أدبيا جديدا، فالمقال عادة يتناول فكرة واحدة ، أما نحن فأمامنا 41 نصا بطلها المكان .

لقد جمع الكاتب بين السرد والسيرة الذاتية في مقالات نصية متعددة ذات موضوع واحد،  فكان الكتاب مزيجا من السرد والشعر والحكي والذكريات .

ومن ناحية الأسلوب : اختار الكاتب أسلوبا جديدا ، فبدلا من أن يبدأ كتابه ـ البداية الشائعة ـ مسلحا بأدوات البحث والجمع والاستقصاء والإسناد، بدأ كتابه مسلحا بسلاح مهم وهو التجربة الذاتية، فتشعر أثناء تصفحك للكتاب بنصوصه المتتابعة الفريدة حول المكان بأنك أمام عاشق للناس والحياة والأمكنة، يقف حينا على الأطلال يتلمس فيها عبق الأحبة الذين رحلوا ، آسفا على القيم التي غابت ، مستدعيا الذكريات الساكنة في القلب والوجدان.

لغة الكاتب أدبية سلسة واضحة يفهمها الجميع ، يغلب عليها الوصف واللغة الشاعرة ، فكانت نصوصه قريبة من القلب .

انظر إلى الأسلوب الشاعري في هذا النص :   

"المكان عندما ينتصب وحيدا كجرح مثلوم، مرميا في حضن البحر الخليج، المتسع في جلاله، والراكن في هدوئه، الممتد إلى آخر المدى، بمياه لا تجفل .. تتلاطم إلا قليلا" "هوية المكان" ص 45
ولأن الوجدان والذكريات والسيرة عناصر رئيسية في الكتاب، يحضر البعد الفلسفي، والذي يردافه مصطلح عربي هو "الحكمة".

لاحظ النظرة الفلسفية في هذا النص :

"نكبر .. ونكبر، ونأتي إلى حافة العمر الأخير، ونهمل كل هذا الخيط الطويل من سنين مكتنزة بحوادث وشخصيات، ومدن وعمر طويل، لو فككناه دقائق أو ساعات لأصبح خيطا طويلا طوله آلاف الكيلومترات، لا تحتويها أبصارنا ، تتقافز تلك المسافات الطويلة من العمر .. ويظل الوجد مرتكنا ونائما في أماكن صغيرة بسيطة، لو فتشنا عنها لاكتشفنا كم هو ضعيف هذا الانسان حين يتعلق ببساطة المكان وطهره". "أماكن من نقش الطفولة" ص 37   

ومن ناحية المحتوى: تميز الكتاب بشمولية تثير الإعجاب، فقد ألمّ الكاتب بكل ما يتعلق بالمكان من أفكار وآراء وتجارب وانطباعات وحكم، بحيث يصعب أن نضيف شيئا بعده، حتى تشعر أن العمل ملحمة عن المكان، وهو أمر لا يعكس دراسة جيدة من الكاتب لموضوعه، ولكن يكشف عن إيمانه بالفكرة ، أعظم الكتب ـ في رأيي ـ تولد عن الإيمان .. إيمان الكاتب بفكرته.

شمولية الكتاب تكشف الكثير عن شخصية الكاتب الإبداعية التي حولت مفردة "المكان" البسيطة إلي عمل أدبي ضخم ذاخر بالرؤى والأفكار والذكريات والأحاسيس.

والملاحظ أن المحرك الرئيس للكاتب هو الوجدان، عمل أدبي كبير مثل هذا لا يمكن أن يأتي روتينيا، أو مصنوعا، لابد أن يكون محركه التجربة الابداعية الصادقة، عندما قرأت وواصلت القراءة شعرت بأن الكتاب في مجمله بموضوعه وأسلوبه وتعدد الأفكار فيه دفقة شعورية يحركها الشغف والحنين.
 
صهد السيرة


يتساءل البعض عن علاقة السرد بالسيرة، وهو سؤال ليس في محله، لأن الأدب في مادته الأولية سيرة، سيرة لقلب الكاتب، وحياته وذكرياته وتجاربه ، السيرة شئنا أم أبينا الجذر النابض للأدب ، حتى لو أنكر الكاتب ذلك، بل حتى لو حاول إخفاء شخصيته بتغيير الأسماء وتزييف الوقائع . للسيرة صهد يخرج من بين الكلمات فيكشف الماورائيات. ويعري شخصية الكاتب الحقيقية .

السيرة مصدر إلهام للكاتب، منها يستقي أفكاره وحكاياته،  نفس الأمر ينطبق على الصحافة ، فالحياة الشخصية المصدر الأساسي للصحفي ، رغم تجاهل دروس الاعلام ذلك، في "دفء المكان"، ورغم أن السيرة كانت الخلفية الواضحة للفكرة ونصوصها، وتظهر كثيرا في ضمير المخاطب، إلا أن الذاتية تختفي حينا وتظهر أحيانا أخرى، فحينا يشعر القاريء أنه يقرأ سردا، وأحيانا أخرى يشعر أنه يقرأ سيرة الكاتب بما تحمل من أحداث ووقائع، خاصة عندما يظهر الكاتب بنفسه ويتحدث. وهذا برأيي كان لصالح العمل، فقد استفاد الكاتب من السرد من جهة، كما استفاد من السيرة الذاتية من جهة أخرى.

أنظر إلى شخصية الكاتب التي ظهرت في هذا النص وذكرياته على شاطيء عجمان :

"وكنت أذهب إلى هناك، أستلقي كل يوم جمعة على رمله متأملا مستسلما للسكينة والخشوع وجلال الهيبة الصاعدة من أركان المكان الذي يقبع  في خشوع  للماء الواسع، سلب المكان وسلبت مشاعري الجفلى بأوار طبيعة ساحرة لم تعد وجودة إلا لمن يستطيع .. وأصبح  مكاني الأثير  على شاطيء عجمان  ليس لي، ومن ذكريات الماضي" "هوية المكان" ص 47

غلب على الكتاب التجارب الحياتية الواسعة ، وهذا ليس غريبا إذا نظرنا إلى شخصية الكاتب الذي قضى سنوات عمره في السفر والكتابة والبحث والتأليف حيث ألف أكثر من 40 كتابا، وقد ساعده العمل في الصحافة على المرور بالعديد من التجارب التي ظهرت في كتابه .

كيمياء الكتاب تظهر ارتفاعا في التجربة أمام الصنعة، وأضاف ذلك صدقا لفصول الكاتب ، وأذهب عنها الملل ، فكانت فصوله مشوقة كأدب الرحلات ، رغم تعدد النصوص ، والمحور الواحد وهو المكان .  

بدعة التصنيف


أرفض التصنيفات الشكلية التي تصنف الأجناس الأدبية إلى أسماء وحقول كالمقال والسرد والشعر والرواية ، وأؤمن بأن الفنون الابداعية واحدة ومتداخلة تغذت من حبل سري واحد.

التصنيف بدعة، ووصاية على النص في عصر تعددت فيه الثقافات وتطورت، لتشمل أشكالا جديدة من الثقافة المرئية والسمعية .

"دفء المكان" مزيج زكي من السرد والبحث والسيرة الذاتية، أخذ من كل فن روحه ودفئه ليقدم لنا تجربة أدبية جديدة شديدة الخصوصية، ومن خلال التجربة الابداعية المتقدة جاء الكتاب على هذا النحو من الثراء والتنوع، ومن خلال حرص الكاتب على فضيلة القدماء وهي الاستيفاء، أصبح كتابه مرجعا أدبيا ذاتيا في موضوع أساسي في الحياة وهو المكان.


تاريخ الإضافة: 2021-05-02 تعليق: 0 عدد المشاهدات :195
1      0
التعليقات

إستطلاع

هل سينجح العالم في احتواء فيروس كورونا ؟
 نعم
68%
 لا
22%
 لا أعرف
12%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
الصحافة
خدمات