تسجيل الدخول
برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

الكشف والتنوير في رواية سلطان الغيب


الأمير كمال فرج.

تشغل الرواية حيزا كبيرا من الجدل، ليس على مستوى النقاد فحسب، ولكن على مستوى القراء أيضا، يجب أن نعترف بروح رياضية بمايمكن أن نسميه ذيوع الرواية، وتقدمها على الفنون الأدبية الأخرى، كالشعر، والقصة، والمسرح، لن نخوض في الزعم بأن الرواية أصبحت ديوان العرب، نكاية في الشعراء، فلسنا في مباراة أدبية تحدد من سيكسب السباق؟، ولكننا نشخص واقعا ثقافيا جديدا تتصدر فيه الرواية الاهتمام، وتحظى على الكثير من الألق على السجادة الحمراء.  

ولاشك أن تقدم الرواية المستحق كان حصيلة الكثير من الجهد من جيل من الروائيين استفاد من فضاء السرد ليقدم لنا فنا أشبه بعصا موسى التي ابتلعت كل الفنون، فجعل هذا الجيل الرواية ساحة للشعر والقص والسرد والبوح والتوثيق والتجريب والسيرة الذاتية، وربما كان ذلك السبب الأساسي في تمدد الرواية في كل مكان.

 


هذا القول ينطبق تماما على رواية "سلطان الغيب" للمفكر والروائي والفنان التشكيلي اليمني الدكتور عمر عبدالعزيز التي صدرت مؤخرا عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2020، والتي يمكن أن نتخذها أنموذجا لما وصلت إليه الرواية العربية الحديثة من تطور.

إعتمد الكاتب في روايته على الرواية البوليفونية وهي الرواية المتعددة الأصوات، وهي سمة من سمات السرد القصصي ونوع أدبي للرواية الحديثة الذي يفسر الواقع من وجهات نظر متراكبة في آن واحد، ولا تعتمد فحسب على وجهة نظر وحيدة.

وهذا الأسلوب نجح في تقديم رواية تشاركية لا يفرض فيها الكاتب رأيه، ولا يعتلي فيها منبر النصح والارشاد، وإنما يثير القضايا والموضوعات ليكون القاريء رأيه الخاص، فجاءت هذه الرواية إبداعية فكرية تحرض على الوعي والتفكير.  

 

 

 

 
الصورة التعبيرية

 

الصورة التعبيرية، هي ماء الفن، لولاها لأصبح الفن ـ سواء كان شعرا أم قصة أم رواية ـ تقريرا عن أحوال الطقس. في "سلطان الغيب" برزت الصورة التعبيرية زاهية متعددة الألوان، حيث تميز التصوير الفني عند الكاتب بالثراء والشاعرية والتفصيل.

يقول الكاتب "حلت مرام محل مريوم. كانت فتاة في الثلاثين من عمرها البيولوجي .. رهيفة القد .. رشيقة الجسد .. تتموضع في حضرة الجمال والدلال .. مسيجة بالخصال والكمال .. فريدة في جنسها .. وحيدة في رشاقتها .. تتكسر في سيرها .. وينثال عطرا في مسيرها .. خضراء اللون .. سيدة عوالمها الشفيقة .. تحمل وجها يوناني النسق .. روماني الطلعة .. خليجي الأرومة". الرواية ص 207.

في هذا المقطع تظهر قدرة الكاتب على الوصف الفني، وتقديم صور تعبيرية موحية تصف المكان والشخصية، وتهييء القاريء للأحداث المقبلة.


الرواية التشكيلية

 

منذ فترة طويلة وأنا أبحث في علاقة الرواية بالفن التشكيلي، عن السر الذي يدفع عدد غير قليل من الكتاب للجمع بين الرواية والفن التشكيلي، بين الريشة والقلم، وأتساءل عن العلاقة بين الفنين؟، وكيف أفاد كل منهما الآخر؟، ورغم أني أؤمن أن الفنون الابداعية واحدة، كلها تغذّت من حبل سري واحد، إلا أن التلاحم بين الرواية المفتوحة بفضاءاتها وسماواتها المفتوحة، والتشكيل المحدد بألوانه وخطوطه كان واضحا، يثير التساؤل.

في "سلطان الغيب" يركز الكاتب السارد على أدق الأشياء، فيصبح المشهد وكأنه مجموعة من قطع الفسيفساء التي تتجمع رويدا رويدا لتقدم لنا المشهد / اللوحة الكاملة.

وبالنظر إلى أن الكاتب أحد الذين وقعوا في غرام الاثنين "الرواية" و"اللوحة"، سندرك فورا السر، فالبعد التشكيلي داخل الفنان وضع بصماته على النص، فالكاتب يصف المكان في جمل متعددة، وكأنه يرسمه،  فظهرت العديد من الأمكنة والمشاهد أشبه بلوحات تشكيلية نابضة بالحياة.

يقول الكاتب " كعادة الزمان، توقفت الساعة البيولوجية في لحظة وامضة ترافقت مع خروج الجنين من أحشاء أمه، في جبل حبشي بمدينة تعز، المتناثرة بين هضبتي جبلين عتيدين يتعاليان إلى ذرى السحاب، فيما يزهوان بانتشار الألوان في المدارج الزراعية والأشجار المغسولة بماء الورد، والطيور الصادحة بألواها الشفيقة ، والتراتب النسقي الفريد لتناوبات الحجارة الذهبية مع أنواع الزهور البرية التي تستعصي على الحصر، والانبجاسات المتتالية لقرى المدى البعيد التي تحيل البعد الثالث المنظوري إلى سحائب من جمال وجلال موشى بالبياض الناصع، والانعكاسات الباذخة لأنوار الشموس..". الرواية ص 21.

ويواصل الكاتب الوصّاف في نثر الصور التعبيرية، المليئة بعطاءات الطبيعة كالنباتات المتوحشة والحشائش والزهور وأشجار الصبار، ويقول " بدأت الرحلة بانحدار متسارع من شاهق جبلي مدمج بالأشجار والحشائش، وكان عليه أن يشق دربا وسط الأحراش المدفوعة حينا بالورود، وغالبا بالنباتات المتوحشة، وفي مقدمتها الصبار الشوكي الأكثر انتشارا والمتوج دوما بأجمل الزهور الصفراء والحمراء التي قد تقع عليها عين بشرية، فتبدو للناظر كما لو أنها قادمة من عدسة كاميرا ألمانية من نوع "لايكا" الساحرة في لقطاتها البانورامية ". الرواية ص 27.

في سياق الوصف لا يمكن أن  نغفل الروح التشكيلية عند الكاتب، والتي فرضت نفسها دون أن يدري، ومنها هذه الصور التعبيرية الممتدة، والتي تشبه لوحدها لوحة تشكيلية مثل "..عيناها كعيني مها الصحراء .. بأنف أقني عربي المزاج .. وحواجب مرسومة بقوة الطبيعة وأدواتها التعبيرية العصية على الفهم، وشفاه تشع بعذوبة الماء  الزلال، صوتها يرن برفارف الأنغام، وصمتها أعمق من الكلام، مقيمة في معانيها، ناظرة لما يعنيها .. بعيدة عن عوابر الأيام ". الرواية ص 207.

وهنا تكشف الظلال المتدرجة عن روح الرسام الروائي: " والظلال المتدرجة بقدر تدرجات المرابع الزراعية الممتدة بطاقة الابصار المتاحة لكل عين آدمية" الرواية ص 21.

أضف إلى ذلك الاهتمام المباشر بالألوان، والذي يظهر في العديد من المواقع مثل "خضراء اللون"، و"الألوان الشفيقة" و"موشى بالبياض"، و "الزهور الصفراء والحمراء"، وغيرها ..، والحنين الواضح للتصويرـ وهو أحد مصادر الرؤية الفنية ـ  والذي بدا في تعبيره "فتبدو للناظر كما لو أنها قادمة من عدسة كاميرا ألمانية من نوع "لايكا" الساحرة في لقطاتها البانورامية".

 

اللغة المثقفة

 

اللغة جزء من ثقافة الانسان ورؤيته للخلق والعالم، قطعة من قماش الروح، ومرافيء الذاكرة،  لا تنفصل البتة عنه، هي شيء أشبه بالبصمة الوراثية لا تتغير، إذا وضعت عينة منها تحت ميكرسكوب النقد يمكنك أن تعرف منها كل شيء عن الشخصية.

وهذا واضح في لغة "سلطان الغيب"، ففي لغتها شخصية الكاتب كما نعرفه، الكاتب والمفكر الدكتور عمر عبدالعزيز، في المتون ملامح لا يمكن أن يخطئها أحد من روحه وفكره ووعيه وقاموسه اليومي .

إذا اقتطعت صفحة من الرواية، وخلطتها مع صفحات من روايات أخرى، وأجريت اختبارا لمعرفة من الكاتب، يمكنك على الفور معرفة بصمة عمر عبدالعزيز.

من يقترب من الكاتب ويحاوره ـ كما تيسر لي ـ سيدرك ما أعنيه،  ففي خلال حديثه العادي ستكتشف إلى جانب "الطلاقة الثقافية" ما يملكه الدكتور عمر عبدالعزيز من مخزون ثقافي، ينعكس بطريقة لا إرادية على مقالاته ورواياته ولوحاته التشكيلية، حتى تعبيراته العفوية.

المصطلحات كنز معرفي ساهمت فيه البشرية جيلا بعد جيل، والمصطلح كالرمز والإشارة يختصر العديد من الكلمات والصفحات، وللأسف هناك جهل عام تام بالمصطلحات، وإن وجدت معرفة فهي معرفة قليلة لا تتعدى المعرفة بالمصطلحات التي ترددها الأفلام والمسلسلات الدرامية، بينما المصطلحات في الحقيقة علم يجب أن نعرفه ونستخدمه.

والدكتور عمر عبدالعزيز مثقف كبير، لديه معرفة كبيرة بالمصطلحات العربية والأجنبية، وعندما يتكلم يظهر المصطلح في حديثه ليضيف أفقا جديدة للمعلومة، وقدره على الإقناع والحسم، وعندما يكتب الرواية لابد أن تظهر هذه المصطلحات رغما عنه، لتضيف جديدا في الرواية العربية ، فهي من جانب تحيي مجموعة مهمة من المصطلحات التي أهملها الناس، ومن جانب آخر تزود النص برافعة لغوية جديدة.

"تواتر كروبولوجي"، و"الفوبيا السكوباتية"، و"المعارف الإسكولائية" .. نماذج للمصطلح في رواية "سلطان الغيب"، وهي فضلا عن دورها في البنية الروائية تشي بالكثير عن شخصية الكاتب وثقافته الخاصة.

لكل لغة مراحل تطور، واللغة العربية يجب أن تستفيد في رحلة التطور من علم المصطلحات سواء كانت عربية أم أجنبية، فالمصطلحات تمنح اللغة الرشاقة والاختزال والتكثيف، وهي عناصر يحتاجها هذا العصر المتوثب المتسارع.

لا نرفض اللغة البيضاء في الرواية، ولكني أعتقد أن للكاتب دور مهم في عملية التثقيف، ويكون ذلك من خلال الأدب، ليس شرطا أن تكون ثقافة الكاتب فصحوية اصطلاحية ، ولكني أقصد الثقافة بمفهومها الشامل الذي يضيف للقاريء نوعا من المعرفة.

 

الرواية المعرفية

 

تطرح الرواية مجموعة من الثقافات التي لا يعرفها الكثيرون، ومن بينها الكتب التي وضعها الأجداد، وقدموا فيها خلاصات الأعمار الطويلة التي قضوها في الحل والترحال والبحث والتجريب والتقصي، وتركوا كنوزا معرفية لا تقدر بثمن، وهذه الكتب لوحدها يمكن أن تكون مرجعا للباحث عن المعرفة بمعناها الحقيقي، بعيدا عن الأساطير.

وفي الوقت الذي يقل بل يندر اهتمام هذا الجيل من الروائيين بهذه المعارف، يتقدم الكاتب لينفض الغبار عن تلك الكنوز التراثية، ومنها مجربات داؤود الأنطاكي، ومجربات الديربي الكبير، وأبي معشر الفلكي، وشمس المعارف الكبرى للبوني، و"الرحمة في الطب"، و"رسائل أخوان الصفا، وخلان الوفا"، و"عنوان الشرف الوافي" للمقري، وكتاب "الإعلان" للوصابي.

لا أتذكر في الجيل المعاصر من الروائيين من اهتم بهذه الجوانب المعرفية سوى الروائي الراحل جمال الغيطاني الذي استهواه هذا العالم المسحور فاخترقه، وعايشه، واستلهمه في روايات عظيمه من بينها "الزيني بركات".

تطرح هذه المعارف فكرة الرواية المعرفية، والتي تعلّم وتعرّف، وتؤكد مجددا دور الروائي الجديد، فالرواية في المقام الأول إعداد وبحث قبل أن تكون تأليف، والروائي الحقيقي يجب أن يكون باحثا مسلحا بالرغبة في المغامرة والاستكشاف.


الماورائيات


تلامس رواية "سلطان الغيب" ـ وكما يشير العنوان ـ الغيب بكل ما يحمله من أسرار وتوقعات وهواجس ، للإنسان العادي والمثقف على السواء، والغيب بالنسبة للكاتب أكبر من مجرد كلمة تشي بالسحر والغموض، تحقق الجماهيرية السريعة، ولكنه مرتكز ومبرر قوي وأساسي للحياة ، يقول الكاتب في التعريف بالرواية "غير أن هاجسي الأكبر فيما سطرته كان مندغما بالحقيقة الوجودية الكلية، المتمثلة في الغيوب، فبدون الغيب لا وجود للموجود، وبدون الغيب لامعنى الحياة". بهذه الفلسفة الأدبية العميقة يبحر الكاتب في روايته إلى غيوم الغيب أو الماورائيات ، فينجح في جذب القاريء لعالم مثير ظل على مر تاريخنا العربي ساحة للأساطير.

وتناول الكاتب للموارائيات ليس تناولا سطحيا، ولكنه تناول فكري راقي، يحترم العقل ويرشده، وهنا تبرز سمة "الفكر" لدى الكاتب الذي يضيف للعمل الروائي بعدا جديدا، وقد تجلى ذلك في الطرح الذي قدمته الرواية لشخصية "المجارح" طبيب القرية الذي يملك مزيجا من المعارف الشعبية وعلوم الكتب والعلوم البرهانية.

وبالقراءة والاطلاع، والشغف بالمجهول، يتطور العلم عند المجارح ويتحول من العلم الدنيوي والمعارف التقليدية إلى علوم اخرى ربانية يصل معها إلى حدود اللامعقول .

يقول الكاتب "ولقد سحبه كتاب "الرحمة في الطب" من معارفه الطبية التقليدية إلى عوالم جديدة، وهكذا رأي في مجربات داؤود الأنطاكي أبعادا جديدة لم تدر بخلده من ذي قبل، ومع معارج عوالمها المدهشة، تداعى مع طاقية الإخفاء، واستدعاء الأسماك في البحار، والتحدث إلى الطيور، ومشاهدة الغائب، ومحاصرة السديم، والقبض على الماء، وارتشاف الهواء، والانخلاع من جاذبية الأرض، واستدعاء المكان من الزمان، وتجميد الزمان في المكان، وغيرها من البوارق واللوامع التي خرجت بجملتها من تضاعيف تلك الكتب، مجربات الديربي الكبير، وأبي معشر الفلكي، وشمس المعارف الكبرى للبوني، ورسائل أخوان الصفا، ووخلان الوفا، وصولا إلى "عنوان الشرف الوافي" للمقري، وكتاب "الاعلان للوصابي". الرواية ص 23.

ولقد بدا له أن كتاب "الاعلان" يمثل ذروة التلاقح والتراسل بين العلوم البرهانية والومضات الغيبية، بل تيقن تباعا أن المحرك الفاعل لكل ظاهر يكمن في تلك الغيوب العصية على الإدراك".

وهكذا تتطور المعرفة عند المجارح، حتى تميز بالقدرة على الإبصار في المنطقة الثالثة بما تتميز بالقدرة على المعرفة الماورائية.

يقول الكاتب "تميز المجارح بقدرته على الإبصار في المنطقة الثالثة، فمن المعروف حسب المعارف الإسكولائية أن الانسان يرى الأشياء بعدستي عينيه الموصولتين بالدماغ عبر شبكية العين، وأن الدماغ هو المتحكم في ماهية الإبصار وكيفيته، وهذا النوع من الإبصار  يعتبر مألوفا يوميا يتشارك فيه الخلق أجمعين، أما النوع الثاني من الإبصار فيرتبط بالمنامات .. هناك حيث يرى الواحد منا فيما يراه النائم من مشاهدات سريالية، تنبجس أساسا وحصرا من الشعور اللادماغي، وتتقافز صوره ضمن متواليات فوق زمنية، ومظاهر خارقة للمألوف، وانتقالات أكروباتية تصل إلى حد الانغلاق، فلا يتذكرها الرائي النائم". الرواية ص 29.

"المجارح تجاوز هاتين المرحلتين من الرؤية، ليغمض عينيه، ولما ينم بعد، فيستغرق في تركيز رؤيته، فتنبثق له الصور من تضاعيف السواد الداكن، فإذا بالبعد الثالث للمنظور البصري يتحول إلى حقيقة مرئية ومغلفة بقدر كبير  من الغموض الشفيف  المدوزن بتناوبات الظلام ابتداء من النظر، وحتى النظر لما ليس بلون".

"تباعا أدرك المجارح تلك المثابة الخالصة في الرؤية، لكنه سيتجاوزها لاحقا ليدخل في عوالم السرنمة الموروثة من جدة الأكبر الطيار".  الرواية ص 29

 

مفاتيح الغيب

 

الغيب بالنسب للكثيرين مجاهيل منغلقة تفتح الباب للأساطير والشعوذة، والدليل على ذلك أن كثير من الغيبيات يرجعها العامة للجن والعفاريت، بينما الغيبيات علوم ربانية يجب أن لا يخوض فيها من لا يعرف، أما من يريد أن يعرف فهي علوم خفية تستلزم القراءة والاجتهاد والتعلم والجلد للوصول والارتقاء من رحلة إلى أخرى، ليصل المرء إلى المعرفة، وأخيرا ما يسمى بـ "الكشف" .

تناولت الرواية قضية الغيب بجدية وموضوعية، وقدمت طرحا أجاب على أسئلة الكثيرين وأنا منهم،  في صغري كنت أقف مشدودا أمام المتصوفة في "الحضرة المحمدية" التي تقام في رحاب العارف بالله السيد البدوي في طنطا الذين يرون أشياء فوق الوصف والعقل والإدراك، وكان أحد التساؤلات عندي .. كيف؟ ، والرواية قدمت  لي تفسيرا مقنعا لهذه الظاهرة .

 

الكتابة السينمائية  

بينما القاريء منجذب لهذا العالم المسحور الذي يعيشه محمد المجارح الجد، ينتقل الكاتب بأسلوب سينمائي رائع قرنا إلى الأمام وتحديدا عام 1983 إلى الحفيد ابن الحمودي "الوارث لجينات الصحو والمنام" ، الذي ورث نفس الفطنة والرغبة في المعرفة ، لنجد أنفسنا متعاطفين مع الحفيد المعاصر ، في بيئة معاصرة ومدن نعرف ملامحها وتاريخها وتضاريسها وهي الإمارات  الشمالية، دبي، الشارقة، أم القوين، رأس الخيمة، الرمس، خورفكان، كلباء، الفجيرة،  نتابع بتشوق متوالية الصحو والمنام التي مر بها،  وتجربته ومناماته، وعبوره الخط الفاصل بين الواقع والغيب ، ليخرج من الماء معمدا بالكشف والمعرفة .

كما برع الكاتب في الانتقال من زمن لآخر بطريقة مشهدية سينمائية عندما انتقل من الجد للحفيد بعبارة واحدة هي "بعد قرن من الزمن"، انتقل بنفس الطريقة إلى الحفيد "ابن الحمودي" صاحب الروافد الثقافية الثلاث، والمولع بالرياضيات، حيث اختصر الكاتب الزمن بقوله "تمر سنين طويلة"، لتستمر رحلة حفيد المجارح المشوقة التي وصلت هذه المرة إلى "الشارقة".

وفي طرح يؤكد معنى "الرواية المعرفية" يتناول الكاتب علاقة الحفيد مع اللغة و"الجرافولوجي" وصولا الى عقيدة الاحتجاب ، ليقدم لنا من خلال ذلك رؤى فلسفية عميقة غريبة ومدهشة.

وهكذا يتنقل الكاتب من الماضى للحاضر، ومن الحاضر للماضي بسلاسة دون أن يفقد قارئه للحظة بأسلوب "الكتابة السينمائية" التي تعامل مع النص كمشهد سينمائي ، وتعتبر القاريء هو المشاهد.
 
شخصيات خارقة

شخصيات الرواية "الحاضرة والغائبة" معظمها شخصيات خارقة تملك القدرة على كشف ستائر الغيب والتنبؤ بالأحداث، المجارح والحفيد، وغيرهم شخصيات عادية في الأساس ، ولكنها تحولت بالرغبة في المعرفة إلى شخصيات استثنائية، ومن هذه الشخصيات الحاجة "بلة على دقوود" التي يقول عنها الكاتب "كانت تعالج أصعب المواقف والمساجلات الحجاجية بالصمت والرؤية الاستشرافية التي كاستشرافات زرقاء اليمامة".

ويفرد الكاتب الشواهد التي تثير الفضول عن هذه الشخصية ، يقول "قبيل وصول حملة إعادة الأمل الأمريكية إلى سال مقديشيو الطويل بسنوات، أشارت بالبنان للبحر قائلة : من هنا سيأتيكم العدو".

ومن الشخصيات الاستثنائية التي وردت في الرواية أيضا اعتدال ديرية التي كانت "تداوى المرضى بلمسة من يدها، وبأي مادة توفر لديهم في منازلهم"، و"حتى أن الماء يتحول لديها إلى علاج لأمراض الجسوم والنفوس، والهواء إلى مصدر لا ينضب للطاقة، والصمت المقرون بقلة الكلام ، وسيلة لنشر قيم إيجابية، ترتقى بالمكتئب والقنوط والغاضب" الرواية ص 139

ومن الشخصيات الاستثنائية التي احتفت بها الرواية مريوم المجذوبة،  التي "عرفها الناس في أربعينيات القرن المنصرم في البر البحري المسمى حتى يومنا هذا بر دبي، وقد أجمع الذين عرفوها أنها جاءت من اللامكان، وأنها تنتمي لزمان يصل الماضي بالمستقبل، وأنها المجذوبة القادرة على التنبؤ بعواصف البحار، وتحديد الموعد السنوي لهطول الأمطار، وإسكات الكلاب النابحة في سكون الليل بإشارة من يدها، واستدعاء أسماك الخليج من خلال صفيرها المميز، كما لو أنه الصوت الخاص بهذا النوع أو ذاك من الأسماك، ومعرفة خارطة البحر بمجرد النظر" . الرواية ص 170

ومن شخصيات الرواية الاستثنائية كذلك البحار اليماني الحضرمي نديم الذي "يفرق بين روائح الآماد البحرية اللامتناهية ، فيحدد المسافة  التقديرية بين مكان السفينة واليابسة، وكان معيار تحديده الزمني مقرونا بالأيام والساعات، حتى إنه يحدد المسافة البحرية الى جزيرة سقطرة". الرواية ص171

وتتوالى شخصيات الرواية الاستثنائية في سرمدية عجيبة .. "الأحدب عوض قوبّي" و"البهلول دمدم" و"عمر المداوي" وغيرهم  من البهاليل والمعاقين والبسطاء الذين يملكون ـ رغم بساطتهم ـ قوى خارقة، لكل منهم كاركتر خاص، وتفاصيل خاصة مثيرة ، ويمكن جدا تحويل هذه الرواية بشخصياته الاستثنائية المثيرة إلى دراما تلفزيونية تقدم جوانب مما تحمله هذه الشخصيات من أبعاد انسانية وغيبية . بل أني أزعم أن كل شخصية من هذه الشخصيات تستحق أن تكون موضوعا لعمل درامي يكشف جوانبها الخفية .


السيرالذاتية والغيرية

 

تعتبر الرواية  ـ وفق وصف المؤلف ـ "سردية بوليفونية سيرذاتية وسيرغيرية"، حيث قدم الكاتب قصته، وقصص شخصيات عاصرها هو بالفعل أو تعرف عليها من الناس، ورغم أن الرواية بأحداثها وتفاصيلها وشخصياتها وغرائبها تشي بالسيرة والتجارب الشخصية،  وتصريح الكاتب في أكثر من موقع بأنه كان شاهدا على الموقف، إلا أن السارد العليم أخرج الرواية من محيط التجربة الشخصية إلى التجربة العامة التي يتفاعل معها الجميع .

وهذا يعيدنا مجددا إلى السؤال عن موقع السيرة في الرواية العربية، فمع تعدد ينابيع وأشكال الرواية العربية، تبقى الرواية في الأساس ـ كما كانت دائما ـ ومهما حلقت وشرقت وغربت، تجربة شخصية ذاتية تم تدعيمها بالخيال والمعلومة والتاريخ .

السيرة الذاتية هي المحرك الأساسي للإبداع ، حتى لو قلنا غير ذلك، وحتى لو أخفينا ذلك، وحتى لو لم نصرح بذلك على غلاف العمل،  فالحياة الشخصية هي المنبع الأول والأساسي الذي يستقي منه الكاتب إبداعاته، أكبر المبدعين استلهموا أعظم أعمالهم من حيواتهم، أولى القصص التي ألّفها ليو تولستوي روى فيها سيرته الذاتية التي أطلق عليها اسم "الطفولة".

المهم أن تخرج التجربة من لإطارها الشخصي لتكون تجربة عامة يتفاعل معها الجميع، وهذا ما فعله الكاتب الدكتور عمر عبدالعزيز في روايته "سلطان الغيب" باقتدار.

 

الكشف والتنوير

 

رواية "سلطان الغيب" ليست عملا روائيا هدفه فقط الامتاع ـ وهو عنصر لاغنى عنه في كل فن ـ ، ولكنه عمل هدفه الأساسي السبر والكشف،  وهي أهداف جديدة في الرواية الحديثة.

لقد استمتعت شخصيا بهذه الرواية الملحمية الواقعية / الأسطورية في آن واحد، بدءا من مشهد ولادة عبدالعزيز في جبل حبشي بمدينة تعز، ومرورا بمنامات عبدالعزيز الصعبة التي خرج منها بعد أن أوشك على الموت معمدا بأسباب الحياة،  إلى لقاء عبدالعزيز بأخته سعود، بعد 40 عاما، وثم الرحيل الدراماتيكي لسعود بعد يوم من لقاء أخيها، إلى حكايات الجن والجارة الميتة التي خرجت من القبر لتحضر فرح صديقتها، والشخصيات الاستثنائية التي رصدها الكاتب وقواها الخارقة، وغيرها من المشاهد الفانتازية الواقعية المثيرة.

لقد نجح الدكتور عمر عبدالعزيز "العابر" بما يملك من أدوات إبداعية وفكرية في كتابة رواية فلسفية صوفية ملحمية كونية تمزج الواقع بالغيب، وتقدم رؤى جديدة ليس على صعيد الكتابة الروائية، ولكن على صعيد الفكر والحياة، وهو بذلك يؤكد على الدور الجديد للرواية الحديثة وهو الكشف والتنوير، والحضّ على الرؤية الكونية للأشياء.  


تاريخ الإضافة: 2021-03-13 تعليق: 0 عدد المشاهدات :613
9      0
التعليقات

إستطلاع

هل سينجح العالم في احتواء فيروس كورونا ؟
 نعم
68%
 لا
22%
 لا أعرف
12%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
الصحافة
خدمات