برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

حاتم صادق يكتب : الثورة الشعبية في تركيا لم تهدأ منذ العثمانيين


دمشق : حاتم صادق.

فيما انشغل العسكر الأتراك بتنظيم الانقلابات التي استمرت حتى بعد القضاء على الخلافة العثمانية وإقامة الجمهورية التركية الحديثة التي حاولوا أن يقنعوا العالم وخاصة الأوروبيين أنها ستكون النموذج الأرقى والأقرب إلى الأسلوب والحياة الأوروبية والغربية عموما في منطقة الشرق الأوسط، لأنها تتميز بروحها البورجوازية الاستقلالية ذات المظهر التحرري سياسيا والمنهاج العلماني البعيد عن السلفية والتطرف الديني والإرث العثماني الثقيل العتيق اجتماعيا، وبذلوا جهودا كبيرة بدعم من القوى الاستعمارية الغربية المعادية للإسلام منذ الحروب الصليبية وما قبل لتأكيد أن مرحلة الانتقال السياسي والديني والفكري التي غيرت بنية المجتمع والحياة العامة في تركيا منجبة الخلافة العثمانية التي حكمتها وحكمت مستعمراتها باسم الإسلام بأساليب قمعية دموية شوفينية هي الأكثر تخلفا ووحشية عبر التاريخ.

رفض المثقفون الأتراك في تلك الفترة السلطنة العثمانية كنظام وأسلوب حياة ومناهج وتطبيق عكست تخلفها على البلدان والمجتمعات المعروفة بتحضرها ووعي شعوبها والتي احتلتها باسم الدين الإسلامي لفترة زادت عن أربعة قرون مثلت في تاريخ هذه البلدان عصر انحطاط حقيقي لم يجرؤ أحد على تسميته باسمه الصحيح هذا حتى لا يصنف في عداد أعداء الإسلام وتقام عليه الحدود الشرعية التي برع العثمانيون في تنفيذها ظلما وعدوانا باسم الإسلام السمح البرئ منهم ومن خلافتهم.

 رفض مزدوج

حتى أن رفض نظام الخلافة العثمانية المهترئ الذي كانت دائرته تتسع بين معظم أفراد الشعب التركي لتشمل كثيرا من المثقفين انسحب رفضا لنظام العسكر الذين جاؤوا بجمهورية على مقاس رغباتهم وانتماءاتهم الغربية في الغالب، فبرز هؤلاء المثقفون كصناع للبيئة الوطنية التركية التي مهدت للمجتمع الثوري المعتمد على الفكر اليساري المتأثر بموجات الحراك الشعبي شبه المنظم الذي بدأت ملامحه تظهر على سطح الأحداث على مساحة الجغرافية التركية كاشفة عن مولد حركات ذات طابع يمكن وصفه بالتقدمي تواجه بإمكانات ضعيفة التراكم الفكري والسياسي والاجتماعي الممتد قرونا للعثمانيين والتشكيل السياسي القادم بقوة التغيير المعاصر للعسكر، وكان الخزان الاجتماعي الموجود بكثافة في الأحياء الشعبية في معظم المدن التركية هو المنطلق الطبيعي لهذه الحركات والحاضن الأول لنشاطاتها.

في مطلع القرن العشرين الماضي بدأت أسماء المثقفين الأتراك المعارضين تظهر على الساحة التركية، كما أخذ إبداعهم بكل أشكاله كأدب وفن وفكر ينتشر داخليا بقوة ويسجل حضوره المؤثر خارجيا، وبذلك لم تستطع سياسة قمعهم المتعددة الألوان والأساليب أن تسكت أصواتهم، كما لم تنفع جدران السجون السميكة في منع إبداعهم من ملامسة مشاعر الناس خاصة الفقراء والبسطاء، والوصول إلى قلوبهم وعقولهم كون هذا الإبداع يعبر عن أحاسيسهم ومعاناتهم الطويلة ويبشر بتفجر الغضب الصامت المتراكم في النفوس في مراحل لاحقة، وكان هناك عدد كبير من الأسماء التي رفعت راية التحدي في وجه السلطات الحاكمة مثل حكمت تشتين وياشار كمال وعزيز نيسن وأشرف أونن وسونر يالتشين وغيرهم، وسأختار في هذا المقال التحدث عن الشاعر والكاتب ناظم حكمت الذي ولد عام 1902 وتوفي عام 1963 والفنان والأديب يلماظ غونيه الذي ولد عام 1937 وتوفي عام 1984 كنموذجين بارزين من المثقفين الأتراك المبدعين العظماء الذين مازال لإبداعهم تأثير مباشر في التحولات الثقافية والاجتماعية التي لم تتوقف عن التجدد في المجتمع التركي حتى بعد سنوات طويلة على رحيلهما.

 ناظم حكمت

شاعر وروائي وكاتب شهير مازالت أشعاره ومؤلفاته ممنوعة من التداول في تركيا حتى اليوم، بالرغم من ادعاءات  التمسك بالحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة التي ماانفكت الحكومات التركية المتعاقبة منذ سقوط الخلافة العثمانية تصر على إعلان التمسك بها عبر وسائل إعلامها، في محاولة يائسة لتزيل من الأذهان تلك الصورة القاتمة التي ولدت مع أول انقلاب عسكري شهدته تركيا وتكرست مع الانقلاب الذي حدث عام 1980 وأطاح بالحركة اليسارية المتنامية في تركيا حيث نُفذ عدد كبير من أحكام الإعدام التعسفية، إضافة إلى عدد كبير من الاغتيالات المشبوهة التي سُجلت ضد مجهول، حيث تمكن النظام التعسفي القمعي الذي أنشأته الطغمة العسكرية التي استولت على الحكم من القضاء على التيارات اليسارية والليبرالية التي كان ناظم حكمت أحد المساهمين الكبار في ظهورها على الساحة السياسية والاجتماعية التركية، كما كان أحد مؤسسي الفكر النقدي الذي حاربه الانقلابيون الجدد بكل شراسة.

تعود جذور ناظم حكمت إلى عائلة إقطاعية غنية ومتنفذة، وقد أتاح له انتماؤه العائلي أن يشاهد بأم العين الممارسات الظالمة التي يمارسها الإقطاعيون ضد مستَخدَميهم من فلاحين وعمال وأجراء، لذلك اتخذ موقفا مناهضا للإقطاعية ومتوافقا مع توجهاته اليسارية التي بدأت تبلور حياته تخلى فيه عن انتمائه الأسري، وكان محرضا له أن يتجه إلى المشاركة في حركة مصطفى كمال أتاتورك التي غيرت وجه الحياة الثقافية والسياسية والاجتماعية في تركيا، منطلقة من خطة تهدف إلى جعل تركيا دولة غربية بمفاهيم مظهرية شكلية لا تستند إلى علاقة عميقة أو إرث تاريخي مع أوروبا، وكان ذلك عبر تغيير حروف الأبجدية العربية بالأبجدية اللاتينية، واعتماد العلمانية كمنهاج حياة للمجتمع التركي الجديد الذي لم يقتنع بالدعوة الممنهجة للخروج من الجلباب العثماني الديني بسهولة والالتحاق بأوروبا التي كانت ترفع شعارات الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وفي ذات الوقت تكن حقدا متجذرا للأتراك العثمانيين الغزاة المتخلفين الذين حاولوا القضاء على ديانة الأوروبيين وتاريخهم، لذلك رفضوا ومازالوا يرفضون اعتبار تركيا جزءا من قارتهم حتى لو كان لها جزء صغير جدا من الأرض ضمن القارة العجوز رغم مرور عشرات العقود على المحاولة.

  هروب وعلاقات

لم تستمر مشاركة ناظم حكمت في حركة أتاتورك طويلا بعدما اكتشف الأبعاد الحقيقية للحركة التي حاربت كل أطياف اليسار التركي الذي ينتمي إليه كشيوعي بقسوة مفرطة، حتى ازدحمت السجون باليساريين والليبراليين وهو منهم، وقد استمر سجنه حتى عام 1950، وحين خرج من السجن وجد نفسه محاصرا، فأشعاره وكتاباته ومؤلفاته ممنوعة في تركيا، وحياته مقيدة بأوامر العسكر في كل جوانبها، فلم يجد أمامه إلا الهروب إلى الاتحاد السوفياتي حيث تجمعه صداقات وعلاقات شخصية مع أبرز الشخصيات الأدبية الروسية مما وفر له حياة هادئة ساعدته على إبداع أعمال تعتبر من روائع الأدب العالمي، كما كانت له علاقات مع شخصيات أدبية أوروبية وأميركية وعربية مثل عبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري ونزار قباني وعدد من شعراء اللهجات العامية حيث نجد أصداء من طريقته الشعرية في آثار العديد من الشعراء، وحيث تقتحم الأشياء البسيطة فخامة العالم الشعري وتعطيه أبعادا أخرى لم تكن بارزة من قبل.

قال عنه الروائي السوري حنا مينة: كان ماردا في حبه وعقيدته وكفاحه بل وحياته كلها، كان سيد من بنى الأساطير وهدم الأساطير، من أبرز شعراء القرن العشرين، اسمه خالد في تاريخ الشعر والنضال، شرع مفهوم الالتزام على أبعاده الإنسانية وهو الذي أحدث ثورة في الشعر التركي والأممي، وكانت روايته الشهيرة ( الحياة جميلة يا صاحبي ) سرد معمق لجزء من سيرته الذاتية، ومن أشهر ما قاله: بعد عشر سنوات ليس لدي ما أقدمه لشعبي الفقير سوى هذه التفاحة، تفاحة واحدة حمراء هي قلبي، هذا هو سبب الذبحة الصدرية أيها الطبيب وليس النيكوتين، وليس السجن.

 يلماظ غونيه
 
واحد من أبرز الفنانين والأدباء الأكراد الأتراك، حمل هموم الشعب التركي بكل فئاته وجعل منها أيقونة إنسانية ساعدته على مواجهة كل أشكال التعذيب والقهر الذي تعرض له، ومنحته القدرة على إبداع أعمال فنية خاصة في مجال السينما كمخرج وممثل وكاتب حملته إلى الصف الأمامي بين الفنانين الكبار ليس على مستوى تركيا بل  في العالم، لأن أفلامه تكتسب أهمية خاصة لأنها تنقل المشاهدين إلى قلب معظم المدن التركية الكبرى للتعرف إلى الشخصيات النموذجية المقتبسة من بين سكانها خاصة في الأحياء الشعبية مثل حي قاسم باشا في اسطنبول حيث تبدو شخصية ( قبضاي الحي) من أبرز الشخصيات، وحيث يمكن اكتشاف بذور الثوران الاجتماعي المتراكم لحركات اليسار الثوري الذي قمع بشدة عام 1981، كما كانت هذه الأحياء المصدر الأكبر الذي أخذت منه الطرق الدينية المتشددة في تركيا مريديها وأتباعها.

في الصف الثاني الثانوي كتب يلماظ بوتون، وهذا اسمه الحقيقي ، قصة قصيرة عن معاناة الفقراء لجريدة الحائط في المدرسة لكنها لم تنشر لاعتبارها يسارية، ثم كتب مقالات وقصصا منها ( الموت يناديني ) و ( لا نهاية للإهانة ) و (الكشف عن ثلاث حقائق للظلم الاجتماعي ) التي نشرت في مجلة الفنون أنلوج وحكم عليه بسببها بالسجن سبع سنوات ونصف السنة، ثم خفف الحكم إلى سنة مع النفي نصف سنة لأن الرجعية التركية اعتبرته متمردا ومعاديا للنظام، وكانت روايته الأشهر ( ماتوا ورؤوسهم محنية ) التي بدأ كتابتها في السجن عام 1961 وأنهاها في أواخر الستينيات، وفي السجن أيضا كتب روايتي ( صالبا ) و ( المتهم ) وكتاب ( غرفة سجني ـ رسائل من سيلمية )عام 1975. 

السينما والمعاناة

حياته سلسلة من المعاناة بدأت بالفقر الذي عانت منه أسرته منذ ولادته في قرية ينيجيه التابعة لأضنه، ثم بزواج والده حميد بوتون من امرأة أخرى واضطراره للعمل بائعا متجولا وأجيرا في بقالية وفي ملحمة ليعيل أمه وأخته، ثم عمل عارضا للأفلام ومصورا للرحلات السياحية في القرى، وكان ذلك أول خطوة له في عالم السينما الذي أصبح أهم شخصياتها في الإخراج وكتابة السيناريو والتأليف خاصة بعد أن غيّر اسمه إلى يلماظ غونيه الذي يعني المسكين باللغة الكردية.

شارك في صناعة أكثر من ستين فيلما كمخرج ومساعد وممثل ومنتج إلى جانب تأليف القصة وكتابة السيناريو، وكثير من أفلامه شاركت في مهرجانات السينما التركية ومعظمها نال التقدير والجوائز مثل ( الأب ) الذي حصل على جائزة الكأس الذهبية و ( قانون الحدود ) و ( سيد خان ) و ( الأمل ) و ( اليأس ) و ( المر )، كما حصل عدد من أفلامه على جوائز كبرى في مهرجانات السينما العالمية، ففي سويسرا حاز فيلمه ( القطيع ) جائزة غران بري، وفي فرنسا حصل فيلمه ( الطريق ) على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي الشهير عام 1982 ، وكان آخر أفلامه (الحائط ) الذي كان عبارة عن مذكراته قبل أن يتوفى في احد مستشفيات باريس عن 47 عاما قضى ثلثها في السجون، وأمضى الباقي محرضا على الثورة ضد الظلم والقهر التي تظهر آثارها اليوم بكتاباته وأفلامه. 
تاريخ الإضافة: 2016-03-27 تعليق: 0 عدد المشاهدات :427
7      0
التعليقات

إستطلاع

الحظر الأمريكي لدخول رعايا 7 دول ؟
 إجراء عنصري
71%
 إجراء طبيعي
30%
 لا أعرف
11%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
حزب (مصر الريادة)
خدمات