برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

اضبط .. سرقة أدبية | الأمير كمال فرج


منذ بداية عهدي بالكلمة وأنا موعود باكتشاف السرقات الأدبية، وأذكر أن أول سرقة شعرية اكتشفتها كانت وأنا في الثانوية، عندما وجدت قصيدة منشورة في مجلة (الشباب) باسم شاعرة، وبعد فترة وفي مجلة (سمر) فوجئت بها منشورة باسم شاعر فاحتفظت بالقصيدتين، ومع المتابعة وميزة حفظي للأشياء وعدم نسياني لشيء قرأته، اكتشفت سرقة أخرى بنفس الطريقة، وهي قصيدة للشاعر مصطفى عبدالرحمن بعنوان (غاب فجري) منشورة بمجلة (العربي) الكويتية، ثم نشرت بعد ذلك في مجلة (الشباب) باسم أحد الشعراء.

 السرقة الثالثة التي اكتشفتها كانت قصيدة بعنوان (إذا ذكر الحبيب) ألقاها أحد الشعراء في مهرجان شعري، اكتشفت أنها قصيدة قديمة لأحد أئمة الصوفية، تلقى في الاحتفالات الدينية، فبحثت عن أصل مطبوع لهذه القصيدة تكون دليلاً فوجدته، وهو كتاب قديم بأوراق صفراء حصلت عليه من أحد مشايخ الطريقة الشاذلية بكفر الزيات.

 بعدها بفترة اكتشفت السرقة الرابعة، وكانت قصيدة مدونة بخط يد أحد الشعراء، حيث اكتشفت أنها منشورة بالنص في ديوان (رحيل) للشاعر عبدالجواد طايل.

 وهكذا توفرت لدي أربعة سرقات بالأدلة، وقد ساعدني على اكتشاف هذه السرقات الذاكرة القوية، وعندما تجمعت لدي هذه الاكتشافات قررت أن أكتب عنها وقد كان، فكان تحقيقي الأول حول هذا الموضوع والذي نشر في جريدة (صوت الشباب).

 والغريب أن جميع السرقات التي اكتشفتها كانت سرقات واضحة وبالنص، وفيها عادةً ما يلجأ السارق إلى انتحال قصيدة كاملة لشاعر آخر ويضع اسمه عليها، .. وفي حالات أخرى يسرق الشاعر جزءاً كبيراً من القصيدة، فهو لا يسرق بيتاً أو بيتين، ولا يحاول إخفاء سرقته، وإنما يسرق أبياتاً كاملة وبنفس العنوان، وهنا تكمن فداحة السرقة وجرأتها.

وفي تحقيقي الأول اكتفيت بتوضيح السرقات وتنبيه الساحة إليها، ولكن بعد وقت وجيز اكتشفت سرقة أخرى وهي عبارة عن قصيدة عامية منشورة باسم أحد الأشخاص بمجلة (الجديد) – قبل توقفها عن الصدور – اتضح لي أنها منشورة لأحد شعراء العامية وموجودة في ديوانه، وإن كان هذا الشخص الذي نشرت القصيدة باسمه في (الجديد) أكد لي أن نشر اسمه على هذه القصيدة جاء على سبيل الخطأ المطبعي في المجلة.

 وبعد ذلك اكتشفت سرقة أخرى لقصيدة بعنوان (من القلب) للشاعر الراحل صالح جودت منشورة في ديوانه (الله والنيل والحب)، فوجئت بها منشورة في إحدى النشرات الطلابية باسم أحد الطلاب، فاضطررت إلى الكتابة مرة أخرى لكشف السرقتين، وواصلت الكتابة عن السرقات حتى وصل عدد التحقيقات التي كتبتها عن هذه القضية إلى تسعة موضوعات نشرت في (صوت الشباب، الرافعي، الجمهورية، صوت العرب، أخبار العمال، الهلال، التجارة والصناعة) كشفت عن سرقة تسع عشرة قصيدة تضم خمسمائة بيت وواحداً، وقد يظن البعض أنني أتابع المطبوعات بغرض كشف السرقات، وهذا غير صحيح، فقد كنت اكتشف السرقات بطريقة عشوائية وبطريق الصدفة، فبحكم اهتماماتي أتابع الصحافة الأدبية، وأحاول متابعة جزء من الإصدارات الأدبية، وعندما أقرأ عملاً وأتذكر أنني قرأته فيما مضى، أعود إلى مصادري لأبحث عن العمل، وأتذكر أنني قرأته فيما مضى، أعود إلى مصادري لأبحث عن العمل الأول لأكتشف السرقة .. وهكذا ..

 وكانت أكبر سرقة شعرية اكتشفها سرقة ديوان شعري كامل بعنوان (صدى الألحان) للشاعر إبراهيم هاشم فلالى، سطا على جزء كبير منه شاعر شاب وأصدره في ديوان باسمه بعنوان (نبضات قلب)، وحصل به على عدة جوائز، وكانت مفاجأة كبيرة لي أن اكتشف سرقة بهذا الحجم، وقد ترددت بداية في الكتابة عن هذه السرقة، والسبب هو أن الناقد الذي كتب مقدمة الديوان المسروق (نبضات قلب) كان أحد كبار النقاد وهو الدكتور محمد مصطفى هدارة يرحمه الله عميد كلية الآداب والذي كان في الوقت نفسه عميداً للكلية التي أدرس بها، فقد كنت حينئذ في الفرقة الثالثة، وخشيت أن تسبب كتابتي عن هذه السرقة الفادحة حرجاً للعميد ويعتبر ذلك إهانة فيؤثر ذلك على مستقبلي، وبعد تفكير طويل ومعارضة من الأهل لنشري هذا الموضوع قررت الكتابة وليكن ما يكون، وقلت لنفسي حينها أنه لو أصابني ضرر من جراء ما أكتبه فإن ذلك سيكون شرفاً لي، وكتبت موضوعاً عن هذه السرقة نشر بعنوان (أضبط .. سرقة أدبية) بجريدة (الجمهورية) وكان للموضوع صدى كبير، وكانت المشكلة – كما أشرت – أن مقدم الديوان المسروق وهو أحد كبار النقاد لم يفطن بتاريخه الأدبي للسرقة، وراح يكيل المدح للسارق ويشيد بأسلوبه الأدبي، المشكلة الثانية أن هذا الموضوع نشر مرة أخرى بشكل موسع في جريدة (صوت العرب) ونشرت ضمنه مقتطفات من النصوص المسروقة منها وبعنوان أكثر إثارة هو (شاعر يسرق ديواناً كاملاً ويقدمه ناقد كبير)، فزاد خوفي من انتقام العميد، ولكن مر الموضوع بسلام والحمد لله.

 وكانت أطرف السرقات التي اكتشفتها سرقة إحدى قصائدي، وهي قصيدة (لا تظلميني) المنشورة بجريدة (المساء)، واكتشافها حدث عندما جاءني صديقي الشاعر محمد أبو شادي ممسكاً بيده بألبوم صوتي معلناً عن مفاجأة، حيث أخبرني أنه كان يستمع إلى الإذاعة أمس السبت، وعندها سمع قصيدة من قصائدي يلقيها أحد الأشخاص وينسبها لنفسه وعندها سارع إلى المسجل ليسجلها، سجل الجزء الأخير منها، وأسمعني إياها فوجدت أن الجزء المسجل لا يتضح به اسم السارق، وبذلك لا تعد دليلاً فحزنت لذلك، ولكن سرعان ما سعدت عندما علمت أن البرنامج يُعاد مرة أخرى في يوم آخر من أيام الأسبوع، وهو يوم الاثنين، وكان أن سجلت حلقة البرنامج كاملة وبها اسم السارق وهو (ممدوح شعبان إبراهيم)، والطريف أنه حصل على جائزة البرنامج عن قصيدتي وقدرها عشر جنيهات.

 وذلك أصبح لدي دليل يمكنني من الكتابة فكتبت موضوعاً عن هذه الواقعة نشر بعنوان (اضبط .. كشف عن بعض المسروقات الأدبية فسرقوا قصائده ..!)، والغريب أن هذه القصيدة نفسها سرقت مرة أخرى عندما فوجئت بأحد الأشخاص يعلقها في مجلة حائطية بإحدى الكليات باسمه، وعندما طلبت مقابلته، وواجهته لم ينكر، وعلل ذلك بإعجابه بها ..!
 وحققت هذه الموضوعات صدى طيباً ، وعلق عليها، وأشاد بها عدد من الصحفيين، واستضافني برنامج (مع الأدباء) بإذاعة وسط الدلتا في حلقة خاصة عنها، ونشرت جريدة (السفير) السكندرية موضوعاً عني، وأجرت جريدة (الحرية التونسية) حديثاً معي حول هذه التجربة.

 ونظراً لطبيعة هذه التحقيقات فقد كنت أتوقع هجوماً من السارقين ومحاولات للتكذيب، لذلك كنت حريصاً على وجود الأصول المنشورة الدالة على الوقائع، كما حرصت في معظم الأحيان على نشر الواقعة أمام القارئ دون تدخل مني في تحديد السارق رغم أنني بالفراسة والدلائل كنت أعرفه، ليست أسبقية النشر هي الدليل وإنما بأمور أخرى فنية وصياغية وحتى أخطاء مطبعية يمكن أن تكون دليلاً قاطعاً على السرقة.

 أخذت السرقة الأدبية في هذا العصر منعطفاً جديداً، منعطف التزوير والتلفيق تماماً كما كان يحدث في العصر العباسي حيث كان البعض يستغلون السرقة الأدبية ويلصقونها بالشعراء للنيل منهم مثلها في ذلك مثل الزندقة التي كانت تلصق بالأبرياء، لقد أصبحت السرقة الأدبية زندقة جديدة يلصقها الحاقدون والجهلاء للنيل من الأدباء الجادين، ووجدت الزندقة الجديدة من الواقع الثقافي الرديء بيئة خصبة للنمو والانتشار، وساعد أيضاً على ذلك أن الكثيرين لا يعرفون القواعد الحقيقية للسرقة الشعرية.

واختلط الحابل بالنابل، وأمكن لأي شخص موتور تلفيق سرقة أدبية لآخر، وأصبح نشر قصيدة باسم شخص أولاً ليس دليلاً على نسبتها له، فربما يكون السارق قد تحصل عليها من صاحبها أو من أي مصدر مسموع ونشرها باسمه قبل أن ينشرها صاحبها الأصلي، وبذلك تكون أسبقية النشر ليست دليلاً على السرقة، أيضاً فإن بعض ضعاف النفوس يمكنهم إذا اتبعوا هذه الطريقة تشويه سمعة الآخرين بنشر أعمالهم غير المنشورة بأسمائهم والادعاء عليهم بالسرقة.

 يؤكد ذلك الحالة التي صادفتها حيث اطلع أحد سارقي القصص على تحقيقاتي وتوقع – هكذا أتصور – أن يصل إليه أحد ويفضح سرقته – فما كان منه إلا أن كتب إلى إحدى الصحف موضوعاً يدعي فيه أنه هو المسروق وأن صاحب القصيدة الأصلي هو السارق، ويا له من موقف مؤسف عندما نشر الصحفي المسئول هذا الاتهام الكاذب، ووجد المسروق نفسه سارقا، والطريف أن السارق المدعي في موضوعه كان يقلد أسلوبي في تحقيقاتي عن السرقات الأدبية، وكان ذلك واضحاً جدا ًمن بعض الأساليب والتراكيب بل والجمل.

 ونظراً للقاعدة الشرطية التي تقول أن المجرم يترك دائماً دليلاً وراءه فإن سارق القصيدة يترك دائماً الدليل على سرقته، على سبيل المثال في القصيدة الخاصة بي التي سرقت ..، أخذها السارق من جريدة (المساء)، وكانت الجريدة قد نشرت بها عدة أخطاء مطبعية سببت خللاً في الوزن والمعاني في بعض المواضع، وعندما جاء السارق سرقها بأخطائها المطبعية فكان ذلك دليلاً قاطعاً على أنه أخذها من نصنا المنشور بجريدة (المساء)، ذلك فضلاً على أن قصيدتي بجريدة (المساء) كانت منشورة قبل الواقعة بسنتين.

 ومن الأساليب التي استخدمتها لتحديد السارق الأسلوب البحثي، وكان ذلك في واقعة سرقة الديوان الكامل، فنظراً لأن الديوان المسروق منه لم يكن يحمل تاريخاً للنشر أو أي معلومة عن الشاعر، فقد نظرت في الديوان طويلاً ، واستنبطت منه بعض الشواهد منها القاموس اللفظي للشاعر، وتواريخ كتابة القصائد، وبعض الملاحظات الأخرى التي أعطتني دليلاً على أن الشاعر شاعر حجازي، وإن كان الديوان صادراً عن مكتبة مصر بالقاهرة، واستنتجت أيضاً أن الديوان صادر في أوائل الخمسينات، واستخدمت نفس الأسلوب في معرفة السارق، فبالرجوع إلى تواريخ القصائد في الديوان الأصلي وعمر الشاعر ، اكتشفت أن الشاعر الشاب هو السارق لا شك، لأنه لا يعقل أن يكون قد كتب هذه القصائد قبل أن يولد ..!

 كانت موضوعاتي عن السرقات من أنجح موضوعاتي الصحفية رغم المتاعب التي سببتها لي، وعلى الرغم من أنها كانت في مرحلة البداية أخذت من سماتها البساطة والحماس، إلا أنني سعيد بها إذ أعطتني القدرة على المواجهة وتفجير القضايا، ولكن المحزن أن تظل هذه القضية حتى الآن دون فهم حقيقي لأبعادها المختلفة، وحلول حاسمة للحد منها.
 والحلول في رأيي كثيرة طرحت بعضها في تحقيقاتي، أول هذه الحلول التوعية بالمفهوم الحقيقي للسرقة الشعرية، فهناك من يظن أن أي تشابه في معنى أو تركيبة شعرية سرقة، وهذا بالطبع خطأ لأن السرقة لا تكون إلا في المعنى المبتكر الجديد لا في التراكيب العادية شائعة الاستخدام التي يشترك فيها الجميع، وكما قال عبدالقاهر الجرجاني في (دلائل الإعجاز): (المعاني والألفاظ مطروحة في الطريق يعرفها العربي والأعجمي، أما السرقة فلا تكون إلا في المعنى المبتكر الجديد).

 والمشكلة الحقيقية عدم وجود الوعي بهذا المفهوم، لذا فإن من واجب النقاد التوعية بهذه الأمور حتى لا تكون السرقة وسيلة للتشهير والتلاسن ومجالاً للصراعات الشخصية، من ناحية أخرى فإن على المطبوعات المختلفة أن تضع قواعد جديدة للنشر بها تضمن تأمين التوثيق من اسم الشخص المتعامل مع المطبوعة أو القارئ الذي تنشر له لتضمن مسئوليته عما ينشر تحت اسمه للرجوع إلى ذلك في حالة ظهور السرقة.

أيضاً فإن بعض الاهتمام والعناية من الأخوة المشرفين على الصحافة الأدبية يمكن أن يحد من هذه الظاهرة، فجميع السرقات التي اكتشفتها لم اكتشفها بالسحر، وإنما بالمتابعة العادية للحركة الأدبية، أيضاً يمكن لاتحادات الكتاب والجهات الأدبية إنشاء جهات لتوثيق الأعمال الأدبية يوثق بها الأدباء أعمالهم ويودعونها بها ويحصلون على ختم توثيق يكون مرجعاً لإثبات ملكيتهم الأدبية إذا تعرضت أعمالهم للسرقة.

 وعلى صعيد الإبداع فإن المطلوب إعادة النظر في مسميات (الاقتباس، والتضمين، والمعارضة الشعرية) لأنني أعتقد أن قواعدها ما زالت غير محددة مما يجعلها باباً خلفياً للسرقة والانتحال.

 وتبقى السرقة الشعرية طالما وجد الإبداع والحركة الأدبية الموارة، وتبقى أيضاً على حد قول أحد نقادنا القدامى التهمة التي لم ينج منها شاعر، وبالطبع ليس بوسعنا القضاء عليها، فقط يمكننا الحد منها ووضعها في إطارها الحقيقي والتوعية بمفاهيمها الصحيحة.
تاريخ الإضافة: 2014-04-28 تعليق: 0 عدد المشاهدات :322
0      0
التعليقات

إستطلاع

الحظر الأمريكي لدخول رعايا 7 دول ؟
 إجراء عنصري
72%
 إجراء طبيعي
30%
 لا أعرف
11%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
الصحافة
خدمات