برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

لوحة بدون توقيع | الأمير كمال فرج


الفنان لورين هاريس أحد أفراد "مجموعة السبعة" التي تضم فنانين انطباعيين كنديين في أوائل القرن العشرين. هاريس كان نادرا ما يوقع أعماله الفنية، هل تعرفون السبب؟، فقد كان يفضل أن يترك للأشخاص تقييم جودة العمل ذاته، بدلا من النظر لاسم الفنان الذي أبدعه.

حالة نادرة من الإيثار والانحياز للقيمة والموضوعية قلما وجدناها في حياتنا المعاصرة، حيث تطغى الذاتية والأنانية والفردية، والكل يقول "أنا"، او كما يقول المثل "أنا ومن بعدي الطوفان"، من هذا الذي يرضى أن يكتب قصيدة ولا يضع اسمه عليها؟، أو يؤلف كتابا ولا يدون اسمه عليه بالبنط العريض؟. وربما وضع صورته وهو يعوج رأسه مثل أحمد شوقي لتحتل معظم مساحة الغلاف،  الكل يفكر حتى قبل أن يبدأ العمل،  كيف سيكون وضع اسمه؟،  وكيف ستطير شهرته في الآفاق، ويكون حديث الساعة، فتستضيفه الفضائيات، وتفرد له الصحف الأحاديث المطولة، ولو استطاع المؤلف لاستوقف المارة في الشارع، ليخبر كل منهم أنه صاحب هذا العمل. هذا هو الإحساس الفطري الشائع،  رغم ما يتضمن من نرجسية وخيلاء وغرور.

 ولكن هناك فئة من المبدعين يكون دائما ضد القاعدة، فيخفون أسماءهم عن أعمال نحتوا حروفها من تجاربهم، وكتبوها بحبر من عصارة أفكارهم، المهم أن تصل أعمالهم إلى الناس،  الأسباب هنا قد تكون  ـ كما فعل الفنان هاريس ـ طوعية ، حيث رغب في أن يركز المتلقي على العمل نفسه، دون اعتبار لصانعه، وبذلك يحصل الفنان على تقييم إبداعي أمين مجرد من التأثيرات الخارجية، سواء أكان مدحا أم ذما ، لأن منتهى أمل أي مبدع أن يحصل على رأي حقيقي في عمله، ونظرا لغياب النقد الحقيقي في عصره، وطغيان المجاملات والاعتبارات الشكلية،  فقد آثر الفنان أن يحجب اسمه لينعم بلحظة نقد صادقة.

 السبب أيضا قد يكون خارجيا، وذلك للخوف من بطش سلطة أو فرد أو جماعة، وهنا يتحلى المبدع بالذكاء الاجتماعي،  ولا يلقي بنفسه في التهلكة، ويكتفي بوصول فكرته إلى الناس، حتى ولو لم يصل اسمه معها.. المهم بالنسبة لديه أن الفكرة ولدت وانطلقت، والرسالة وصلت،  وأثرت في الناس، وقد يأتي يوم يتابع هو نفسه تعلليقات الأصدقاء على عمله دون أن يعرفوه ويستمتع ويسعد هو بالتأثير الذي حدث، ويخبيء في الوقت نفسه حزنه ودمعة تكاد تفر من عينه.

 وإخفاء الاسم يرتبط غالبا بالمناخ السياسي والاجتماعي القائم، فقد يسمح المناخ السياسي بأفكار معينة، ولا يسمح بأفكار أخرى، كذلك يفعل المناخ الاجتماعي الذي يقبل أفكار ولا يقبل أفكار أخرى، وأمام هذا الحصار السياسي والمجتمعي يلجأ الكاتب أو المبدع عموما إلى "الرمز"، وقد حفل الأدب العربي بالعيد من الأعمال الرامزة التي اتخذت من الرمز وسيلة لتمرير أفكارها من وراء الرقباء الذين يعدون على المبدعين أنفاسهم، ورغم  توشحها بالرمز الغامض الغريب، وصلت الأفكار إلى الناس، الذين تمكنوا من فكر شفرة الرمز الممزوج بالسخرية.

 ومن الوسائل التي لجأ إليها المبدعون أيضا الاسم المستعار الذي كان وسيلة للهروب من رقابة المجتمع العربي الذي ظل لسنوات طويلة يرفض تصريح المرأة باسمها، فكانت المبدعات يتخذن أسماء مستعارة يوقعن بها كتاباتهم،  ويعبرن من خلالها عن مشاعرهم دون خوف.

 وقد يأتي اختيار الاسم المستعار لدوافع شخصية او صحفية، يمارسه الرجل والمرأة، حيث كان البعض يلدجأ إلى الاستعارة والألقاب الصحفية الضاحكة مثل "أبونظارة" ، و"فرقع لوز" والعبقري الفلكي".

 ومن بين الحالات التي نذكرها هنا حالة المفكر العربي محمد سعيد طيب الذي نشر عام 1991 كتابا بعنوان "مثقفون وأمير"، ووقعه باسم مستعار هو "ياسر محمد سعيد"، ولكن الكاتب أعاد إصدار نفس الكتاب العام الحالي 2010 في بيروت باسمه الصريح، وعلل الكاتب ذلك بأن المناخ الرقابي الذي أحاط بالإصدار الأول أجبره إلى ذلك.

 ولكن رغم وجود الاستتار وتعدد أشكاله في التاريخ الإبداعي، إلا أننا نعترف أن عملية عدم كتابة الاسم كانت قليلة جدا، حيث كانت تحدث في أجواء سياسية واجتماعية قاهرة، لأن نسبة العمل إلى صاحبه فضلا عن أنه حق للمبدع، فإن له جوانب اعتبارية وقانونية وحقوق رسمية لابد من الحفاظ عليها.

 ولكن كيف تكون المشاعر التي تنتاب المبدع عندما ينسب عمله إلى غيره، بالسرقة أو الانتحال أو بالاسم المستعار، أو بعدم كتابة اسم، .. الأمر ليس سهلا، وهو ـ مع القياس ـ  يشبه المرء الذي ينسب ابنه إلى آخر، من المؤكد أنه سيحس بالفقد والظلم والحزن، ولكنه يتغلب على آلامه، بشجاعة وفروسية، ويضع أمامه الهدف الأهم،  وهو أن يصل عمله إلى القاريء.

 إخفاء اسم المبدع عن العمل الإبداعي سواء أكان قصيدة أو كتابا أو لوحة نوع نادر من الإيثار، يؤكد ما وصل إليه المبدع من رقى وتفاني واتحاد مع قيم الفن التي تتجاوز المنفعة الشخصية لتصل إلى المنفعة العامة، .. هنا تتضاءل الأسماء، والحقوق ، ليبرز الهدف الكبير، وهو أن تصل الفكرة إلى الناس.

 الجميل أن الحق يعود دائما إلى صاحبه، وبمرور الزمن يعاد نسب العمل إلى صاحبه الحقيقي، إما بانتفاء الأجواء الضاغطة التي دفعت المبدع إلى إخفاء اسمه كما حدث في واقعة المفكر الطيب، أو بنجاح الباحثين في نسبة العمل لصاحبه، كما حدث في إحدى لوحات الفنان هاريس، الذي تمكن الخبراء من تحديد شخصيته من خلال لوحة، فبيعت اللوحة بـ 51 ألف دولار نيوزيلندي، بعد أن كان مالكوها اشتروها بخمسة دولارات فقط.

 عندما تضيق الحرية يضغط  المجتمع على جسد المبدع حتى يكاد تحطم عظامه، فيلجأ هنا للرمز والاستتار والتخفي، والمجتمع الصحي هو الذي يرحب بالأفكار ـ حتى لو اختلفت معه ـ ويحتضنها ويمنحها الضوء، وينشيء لها "صوبات زراعية" لكي تنمو وتزهر وتفيد المجتمع.

تاريخ الإضافة: 2014-04-17 تعليق: 0 عدد المشاهدات :291
0      0
التعليقات

إستطلاع

الحظر الأمريكي لدخول رعايا 7 دول ؟
 إجراء عنصري
72%
 إجراء طبيعي
29%
 لا أعرف
11%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
الصحافة
خدمات