برنامج ذكاء اصطناعي من غوغل يكشف السرطان       تقنية الليزر تثبت أن الديناصورات كانت تطير       يوتيوب تي في.. خدمة جديدة للبث التلفزيوني المباشر       الخارجية الأمريكية تنشر ثم تحذف تهنئة بفوز مخرج إيراني بالأوسكار       الصين تدرس تقديم حوافز مالية عن إنجاب الطفل الثاني       حفل الأوسكار يجذب أقل نسبة مشاهدة أمريكية منذ 2008       تعطل في خدمة أمازون للحوسبة السحابية يؤثر على خدمات الإنترنت       حاكم دبي يقدم وظيفة شاغرة براتب مليون درهم       ترامب يتعهد أمام الكونغرس بالعمل مع الحلفاء للقضاء على داعش       بعد 17 عاما نوكيا تعيد إطلاق هاتفها 3310       لافروف: الوضع الإنساني بالموصل أسوأ مما كان بحلب       فيتو لروسيا والصين يوقف قرارا لفرض عقوبات على الحكومة السورية       بيل غيتس يحذر العالم ويدعوه للاستعداد بوجه الإرهاب البيولوجي       ابنا رئيس أمريكا يزوران دبي لافتتاح ملعب ترامب للغولف       رونالدو وأنجلينا جولي ونانسي عجرم في فيلم يروي قصة عائلة سورية نازحة      

المعركة الأخيرة | الأمير كمال فرج


عندما يذكر لبنان فإن الكثيرين يتذكرون الفاتنات والمغنيات اللائي يأخذن العقل، وبرامج الواقع التي تتلصص على الصبايا في غرف النوم، وتنقل للعالم حركاتهن وسكناتهن، والقبلات المختلسة، لبنان عند البعض وليمة جنسية، وعند البعض الآخر لا يخرج عن السياحة والترفيه والتسوق، البعض تستوقفه فتاة لبنانية جميلة غنجاء، أما أنا فتستوقفني لبنانية ختيارة كافحت وربت أبنائها أحسن تربية.

ولكني عندما أتذكر لبنان أستحضر صورة مغايرة تماما، .. أتذكر زميلتي في مدرسة النصر الابتدائية أمل عبدالبديع، وهي تغني في الحفلة المدرسية أغنية طروب "برمبامبا .. برمبامبا .. ألبس فستاني الأحمر ولا فستاني الأخضر .. حبيبي اللي بحبه ناطرني في السيارة".

أتذكر المطبوعات الصحفية الكثيرة التي كانت تنتجها المطابع اللبنانية على مدار الساعة، وحركة الوعي التي كانت تقودها بيروت في العالم العربي، حيث كانت الطباعة وسيلة لبنانية لمواجهة القتل، والتأكيد على حب الحياة، أتذكر في مرحلة البداية قصائدي التي كانت تحتفي بها الصحافة اللبنانية، .. أتذكر الهام فريحة التي كنت أبعث لها بقصائدي بالبريد العادي البطيء، فتنشر بسرعة عجيبة.

أتذكر كالمحموم الحصار والمعابر والوجع الطائفي المقيت، أتذكر جيدا مجزرة "صبرا وشاتيلا" وجثث الشباب والشيوخ الملقاة على الطريق، والتي نشرتها مجلة "الشباب وعلوم المستقبل" التي كان يرأس تحريرها المرحوم صلاح جلال، وخاصة جثة الكهل الفلسطيني المذبوح، الذي مات فاغرا فاه من هول الصدمة، والذي مازلت صورته عالقة في ذهني حتى الآن رغم مرور أكثر من 28 عاما، أتذكر كيف كنت وأنا صبي أتلمس حزينا صور الضحايا، فيمتزج ملمس الورق بملمس الدم ، أتذكر صورة سمير جعجع يوم زواجه من الجميلة استريدا وسط أفراد من القوات اللبنانية.

عندما يذكر لبنان فإنني أتذكر الحرب الأهلية القميئة التي حولت الوطن إلى ساحة معركة، لا صوت فيها يعلو فوق طقطقة الرصاص، والوطن الذي تآمر عليه العدو كما تآمر عليه الصديق. ذاق احتلال العدو ، كما ذاق احتلال الصديق، وتآمرت عليه الهيئات الدولية العربية، وشرعت كذبا وزورا احتلال الأصدقاء له، عندما أقرت بما أسمته "الحق السوري في التواجد بلبنان"..

منذ طفولتي والمشهد اللبناني أمامي، لقد تربيت على أحزان هذا الوطن وفنونه وثقافته ومآسيه، وكان الجرح اللبناني هناك جرحا في جسدي هنا، ولا أدري السبب الحقيقي، ربما لأن لبنان كان في ذلك الوقت ساحة المواجهة الرئيسية بين العرب وإسرائيل، بعد انتهاء المواجهة العسكرية بعد حرب التحرير في أكتوبر 1973، فكانت أخباره دائما في الصدارة، وربما لأن القضية الفلسطينية في هذه المرحلة امتزجت بالقضية اللبنانية والسورية حتى أصبحت كشلة الخيوط التي تداخلت وتعقدت.

أتذكر كيف كان لبنان يقسم بالسكين كالتفاحة، على موائد القتلة والمجرمين والقراصنة اللئام عابرو القارات، ولكنه رغم ذلك يقاوم ويغني كالطير المذبوح، أتذكر كيف كانت مجلة لبنانية تنقل المواجهات مع العدو الإسرائيلي والمآسي الإنسانية، ومجلة أخرى أيضا لبنانية تنشر صور الشباب والشابات يرقصون الديسكو في أحد الملاهي. لبنان كان في ذاكرتي دائما مرادفا للجمال والوجع والتناقض والجنيات والمقاومة والشرف والخيانة والأحلام المفخخة.

استحضرت ذلك كله، وأنا أتجول في شوارع بيروت، توقفت عند مبنى قديم مازالت فيه آثار الرصاص، أتحسس بيدي الشوارع والبيوت والوجوه، كالعاشق الذي يتحسس وجه حبيبته. لكن اللقاء لم يكن رومانسيا أبدا، فقد كان شعوري هو شعور العاشق الذي التقى حببيته بعد أن تعرضت للاغتصاب، شعور ممزوج بالفرح والألم والوجع والمهانة.

كل من كتب عن لبنان يكتب عن صخرة الروشة وبعلبك والجبل والحمراء وسوليدير، أما أنا فلم أستطع، كل من يذهب إلى لبنان يذهب إلى المناطق السياحية الترفيهية، أما أنا فتركت الفندق الفخم ، وأخذت أتجول بين الناس أبحث في الشوارع البيروتية عن الانسان الحقيقي، وكان افطاري الأول كعك لبناني بالزعتر من عربة أحد الباعة الجائلين من الصم والبكم، .. سامحيني يابيروت .. لم أتمكن من المدح والغزل، فكيف أتغزل بحبيبة جريحة، يقول الشاعر صلاح عبدالصبور "معذرة ياصحبتي .. قلبي حزين ، من أين بالكلام الفَرِحْ".

سعدت عندما رأيت لبنان حرا بعد سنوات طويلة من الحصار، لا مكان لقوى أجنبية على أرضه، يتمتع بهيكل سياسي مثل أي دولة، ولكن لبنان أشبه بالخارج من معركة، يحتاج إلى سنوات للنقاهة لاستعادة قوته، وبدء المعركة الأهم وهي معركة البناء، ولكني في الحقيقة توجست، لأن الأعداء مازالوا يتربصون بهذا البلد العظيم، فبعد أن هزمهم الله، وطردوا شر طردة، مازالوا يتربصون به، ويتحينون الفرصة للانقضاض عليه.

توجست عندما لمحت الطائفية مازالت تتجول كالغول في الشوارع .. تحتل الميادين، واللافتات الإعلانية، وتظهر وجهها القبيح هنا وهناك، الطائفية هي المجرم الحقيقي الذي مزق هذا البلد الجميل، وسبب الخراب الذي لحق به، الطائفية هي التي أشعلت الحرب الأهلية، التي أرجعت البلاد للوراء عشرات السنين، لم تفعل إسرائيل بلبنان قدر مافعلته الطائفية به، لأن أخطر الاعتداءات تلك التي تأتي من داخل الوطن، و"الطائفية" هي الخطر المقبل والذي يهدد العالم العربي، وسيكون له في المستقبل ضحاياه الكثيرون.

حينما تتقدم الطائفية يتراجع الوطن، ويهون الانتماء، ويباع بأرخص ثمن، وعندما تنحاز كل فئة لدينها أو مذهبها، يصبح الوطن الضحية، يقف وحيدا في مهب الريح تمزقه أسنة الرماح، وقد لعب أعداء لبنان الدور الخبيث لتأسيس الطائفية وتغذيتها وتأصيلها في البلاد، فأصبحت هي أساس العمل السياسي، وأصبح لكل طائفة مناطق يسكنون بها، وسلاح يقتتلون به، بل وإعلام خاص يروج لها.

ليس ذلك فقط، فقد انتهزت عدة قوى إقليمية البعد الطائفي اللبناني، وأخذت تغذيه وتلعب عليه، فأصبح مستقبل الوطن مرهونا بهذه القوى الإقليمية الخارجية، وهذا خطر آخر وخنجر جديد في خاصرة الوطن.

مشكلة لبنان الأساسية هي الطائفية، والتحدي الحقيقي أمام الشعب هو القضاء على هذه الطائفية، وتأسيس الوطن من جديد، على أساس وطني، لا تقل لي أن التحدي الحقيقي هو مواجهة إسرائيل، وتحرير مزارع شبعا، لقد كانت الورقة الاسرائيلية للأسف ـ مع إقراري بخطر إسرائيل على العرب ككل ـ أحد أوراق اللعب السياسي الداخلي، وآمل أن يعي اللبنانيون هذه المشكلة، ويعملوا سريعا على قتل وحش الطائفية الذي كبر وتعاظم، حتى سد المنافذ والجسور، والعمل على إعلاء قيم المواطنة الحقيقية. أعلم أن الأمر ليس سهلا، لأن المرض تمكن من الجسد الجريح، ولكن بالعمل والإخلاص والوطنية يمكن عمل الكثير.

لبنان يملك العنصر الأهم للفوز في أي معركة، وهو الإنسان، الكثير من الدول تملك المال والثروات الطبيعية والعتاد والجيوش، ولكنها لم تستطع أن تبني الإنسان، فأصبحت تملك الحضارة الزائفة، وهي حضارة زجاجية جميلة مبهرة، ولكنها معرضة للانهيار في أي لحظة. لبنان يملك خريطة الكنز، وهو الإنسان المتحضر، ولكن ينقصه فقط الإرادة والنية الصادقة لكي يبني الوطن ..

لبنان ليس وليمة جنسية كما جسدها الإعلام العربي والإعلام اللبناني نفسه، ولكنه نموذج فريد للوعي والتحضر والكفاح والنضال والوطنية والتعدد العرقي والأصالة والفن، والتمازج الثقافي مع الآخر، ولكن الإعلام ظلم اللبناني عندما حصره في التسويق، وظلم اللبنانية عندما حصرها في الجمال.

لبنان الآن في استراحة المحارب، يستعد لخوض معركته الأخيرة ضد الطائفية، نسانده بكل ما نستطيع، وندعو له بالنصر ليعود سيدا حرا ، ليأخذ مكانه الحقيقي في الصدارة، وليكن التعدد العرقي عامل قوة وليس عامل ضعف، كما فعلت ماليزيا التي تتباهى بالتعدد العرقي الذي تتميز به.

والخطوة الأهم أن يعي العالم العربي الدرس، لأن الأعداء الذين زرعو الطائفية في لبنان هم نفسهم الأعداء الذين يعملون على زرع نفس اللغم في بلادنا العربية، لقد أدرك الأعداء أن زمن الغزو العسكري قد ولى، كما أن الغزو الثقافي أصبح غير مجديا في عصر الفضائيات والانترنت، فلجأوا إلى الغزو الطائفي، ووجدوا فيه أسرع وسيلة لهدم أمة.

تاريخ الإضافة: 2014-04-14 تعليق: 0 عدد المشاهدات :317
0      0
التعليقات

إستطلاع

الحظر الأمريكي لدخول رعايا 7 دول ؟
 إجراء عنصري
72%
 إجراء طبيعي
29%
 لا أعرف
11%
      المزيد
تابعنا على فيسبوك
تابعنا على تويتر
الصحافة
خدمات